الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

257

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

على حال هذا الطالب وكان هو من المنعمين والمعتقدين في هذه الطائفة ، فعيّن غلاما ليحمل إليه كل يوم قدحا من الطعام اللذيذ وقرصا من الخبز الخاص من سفرة الخواجة . ولما جاء الغلام بالطعام أول مرة أجلسه بين يديه وأمره بأكل الطعام بالتمام ، فأكله ورجع إلى بيت سيده بالقدح الخالي وقال لسيده : أنه أكل طعامك كله بكمال الرغبة ودعا لك بالخير والبركة . فطاب منه قلب الخواجة . وكان الغلام يحمل إليه كل يوم قدحا من الطعام ويأكله بنفسه بأمر هذا الطالب ولا يخبر بذلك أحدا حتى ظهرت حقيقة تلك القضية بعد عام فضرب الخواجة الغلام ولم يرسل بعد ذلك إلى المدرسة الطعام . قال مولانا محمد : كان والد هذا الفقير يوما قاعدا عند مولانا ، فقال لي : يا محمد افعل شيئا كذا . فقال بهاء الدين قدّس سرّه : فعيّن حضرة الخواجة اثنين من أصحابه لخدمته وتعهده فصار والده يغضب عليهما ويسيء الخلق إليهما على ما هو عادة المرضى . فاطلع حضرة الخواجة على ذلك الحال وجاء عند والده وقال : يا أبت إن هؤلاء الدراويش الذين يجيئون صحبتنا إنما يجيئون للّه وطلبا للحق سبحانه ، فالخدمة لهم واجبة علينا وحرمتهم لازمة في ذمتنا ، فلم تغضب عليهم ، ولم تسيء الخلق إليهم ! فقال له والده : أتعلمني وتعظني أنت يا بهاء الدين وأنا والدك ! قال له حضرة الخواجة : نعم أنت والدي بحسب الصورة ، وأنا ولدك بحسب المعنى . يعني : أنت ربيتني بحسب الصورة وأنا ربيتك بالمعنى . فسكت والده وترك سيرته الأولى ، فتأثر والدي من هذا الكلام تأثرا قويا ولم يأمرني بعد ذلك بشيء وصار يعظمني ويقدمني دائما كلما أظهرت له التواضع والانكسار . وازدادت رعايته للحرمة والأدب حتى بلغ احترامه حدا كان لا يضع قدمه قدام قدمي ، بل كان يقدمني في المشي ، فإن أبيت عن ذلك كان يبالغ في الإبرام حتى أكون عاجزا عن المخالفة ، ولم يبق لي مجال لعدم الامتثال . قال : جاء يوما الشيخ مظفر الكدكني ، وكان من أكابر سلسلة الخلوتية ، مع واحد من مريديه لعيادة مولانا في مرض موته . فقال بعد لحظة : أريد أن أشتغل بمقدار من الذكر على طريقتي إن أذن به مولانا ! فقال له مولانا : يكون حسنا . فاشتغل الشيخ مع مريده بمقدار من الذكر بطريق الجهر ثم سكت وشرع في المراقبة ثم رفع رأسه بعد زمان وقال لمولانا : أنت من السادات . قال له مولانا : نعم ، قال الشيخ : فما وجه إخفاء ذلك مدة عمرك والحال أن إخفاء هذا النسب غير جائز . قال